أي: هو - سبحانه - الذي أرَى نبيه الرؤيا الصادقة هو - كذلك - الذي أرسله وبعثه مصاحبًا للهدى والدليل الواضح والحجة البالغة والمعجزة الباهرة، وأرسله بالدين الحق الذي لا يأتيه الباطل، ولا ينال منه الزيف، ولا يعتريه التحريف، ليعليه - سبحانه - ويرفعه على كل ما يدين الناس ويستعبدون به من الشرائع والملل من الحق والباطل، وإظهار الإِسلام على الحق من الشرائع والملل يكون بنسخ بعض أَحكامه المستبدلة والمتغيرة بتبدُّل الأعصار والأزمان، وأما إظهاره على الباطل فيكون ببيان بطلانه وزيفه.
هذا، والإِسلام بمبادئه وتعاليمه وشرائعه يسمو في كل زمان ومكان على كل شرعة ومنهاج، وذلك عند أصحاب الفطر المستقيمة والقلوب النقية السليمة، كما أنه - كذلك - عند من له أدنى بصر وبصيرة، ولا يضير الإِسلام أن خالفه المخالفون، فهم في واقع أمرهم معترفون في داخلهم، ولكنهم يستكبرون فينكرون، وصدق الله القائل: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} . (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا) هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعد له بأنه - سبحانه - لا محالة سيحقق له ما وعده به من إظهار دينه على جميع الملل والنحل وكفى الله شهيدًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وشهادته له تكون بإظهار المعجزات على يديه، وقيل: (شهيدًا) على رسالته - صلى الله عليه وسلم -، وفي الآية - على هذا - تسفيه للكفار الذين أبَوا أَن يكتبوا في عقد صلح الحديبية (محمد رسول الله) .
29 - (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29 ) )
المفردات: