فوعد الله قد تحقق في الصورة السياسية الظاهرة قبل مضي قرن من الزمان بعد البعثة المحمدية. ووعد الله ما يزال متحققاً في الصورة الموضوعية الثابتة ؛ وما يزال هذا الدين ظاهراً على الدين كله في حقيقته. بل إنه هو الدين الوحيد الباقي قادراً على العمل ، والقيادة ، في جميع الأحوال.
ولعل أهل هذا الدين هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم! فغير أهله يدركونها ويخشونها ، ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب!
والآن نجيء إلى ختام السورة. ختامها بتلك الصورة الوضيئة التي يرسمها القرآن لواقع صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك الثناء الكريم على تلك الجماعة الفريدة السعيدة التي رضي الله عنها ، وبلغها رضاه فرداً فرداً:
{محمد رسول الله. والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم رُكَّعاً سُجَّداً ، يبتغون فضلاً من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ، فآزره ، فاستغلظ ، فاستوى على سوقه ، يعجب الزراع ، ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما} .
إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع. صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة ، حالاتها الظاهرة والمضمرة. فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم: {تراهم ركعاً سجداً} .. ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} .. ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} .. {ذلك مثلهم في التوراة} .. وهذه صفتهم فيها.. ولقطات متتابعة تصورهم كما هم في الإنجيل.. {كزرع أخرج شطأه} {فآزره} .. {فاستغلظ} {فاستوى على سوقه} . {يعجب الزراع} ..: {ليغظ بهم الكفار} ..