الدّرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إِليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأَسباب ولا سكون إليها ، بل يخلع السكونَ إِليها من قلبه ويَلْبَسُ السّكون إِلى مسبّبها.
الدّرجة الخامسة: حسن الظَّنّ بالله تعالى ، فعلى قَدْرِ حسنِ ظنَّك به ورجائك له يكون توكُّلك عليه.
الدّرجة السّادسة: استسلامُ القلب له وانحداثُ دواعِيه كلِّها إِليه ، وقطعُ منازعاته ، وبهذا فسّره من قال: أَنْ يكون كالميّت بين يدي الغاسِل.
الدّرجة السّابعة: التفويضُ ، وهو رُوح التوكُّل وحقيقتُه ولُبُّه ، وهو إِلقاء أُمورِه كلِّها إِلى الله تعالى ، وإِنزالُها به رَغَباً واختياراً لاكَرْها واضطرارا ، بل كتفويض الابنِ العاجز الضعيف المغلوب أُمورَه إِلى أَبيه [و] الغُلامِ بشَفَقَته عليه ورحمته ، وتَمام كِفايَته وحُسْنِ وِلايَتهِ له ، فإِذا وضع قَدَمَه فِي هذه الدّرجة انتقل منها إِلى درجة الرضا ، وهي ثمرةُ التوكُّل.
ومن فسّر التوكُّل بها فإِنَّما فسّره بأَحَد ثَمَراته وأَعظم فوائده ، فإِنه إِذا توكَّل حقّ التوكُّل رضى بما يفعله وكيله.
والمقدور يكتنفه أَمران: التَوَكُّل قَبْلَه ، والرِّضا بعده ، فمن توكَّل على الله قَبْلَ الفِعْل ، ورَضِىَ قَضَى له الفِعْل فقد قام بالعبوديّة.
واعلم أَنَّ التوكُّل من أَعمّ المقامات تعلُّقا بالأَسماءِ الحسنى ، فإِنّ له تعلُّقا خاصّاً بعامَّة أَسماءِ الأَفعال ، وأَسماءِ الصّفات ، فله تعلُّق باسمه والرزَّاق ، والمُعْطِى ؛ وتعلّق باسمه المُعزِّ والمُذِلّ ، والخافض والرَّافع ، والمانع من جهة توكُّله عليه فِي إِذلال أَعداءِ دينه ومنهم أَسباب النصر وخفضهم ؛ وتعلُّق بأَسماءِ القُدْرة والإِرادة ، وله تعلُّق عام بجميع الأَسماءِ الحسنى ، ولهذا فسّره من فسّره من الأَئمة بأَنَّه من المعرفة بالله ، وإِنما أراد أَنَّه بحسب معرفةِ العبد يصحّ له مقام التَّوكُّل ، فكلَّما كان بالله أَعرف كان توكُّله عليه أَقْوَى.