فإن قيل: ما الحكم بعد أَن استحدث الناس الأبواب، وسكنوا في الطوابق، واستحدثوا أَجراسًا على أبوابهم؟ فالجواب: أَن الاستئذان يكون في هذه الحالة إما بدق الباب أوبقرع الأجراس، فقد صح عن أَبي موسى الأشعرى (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في حائط بالمدينة على قفِّ بئر، فمد رجليه في البئر فدق البابَ أَبو بكر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ائذن له وبشره بالجنة") والحائط: البستان، وقفُّ البئر: الدكة المرتفعة التي تجعل حولها.
وينبغي أن يكون الدق خفيفًا غير مزعج، فقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (كانت أبواب النبي - صلى الله عليه وسلم - تقْرَع بالأظافر) رواه الخطيب في جامعه.
وكما يشرع الاستئذان للرجال يشرع للنساءِ، فقد يكون أَهل البيت على حال لا يحسن أَن يطلع هؤلاءِ النساءُ عليها، فالخطاب في الآية للذكور على وجه التغليب لا التخصيص، فإِن النساء شقائق الرجال في الأحكام إِلا ما خص كلا منهم كأحكام الحيض والنفاس للنساء، ومضاعفة الميراث للرجال، ويؤيد العموم ما أخرجه الطبرانى عن أبي أمامة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من كان يشهد أنى رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأْذن ويسلم، فإِذا نظر في قعر البيت فقد دخل"أَي: فإذا نظر في داخل البيت قبل أَن يؤذن له، فكأنما دخل قبل الاستئذان، وذلك لا يحل له، فأنت ترى أن الحديث جاءَ بصيغة العموم التي تعم الرجال والنساء.
فإذا استأذنت فقيل لك: من الطارق مثلا؟ فيكره أن تجيبه بقولك: أنا، فقد روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: (استأْذنت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"من هذا؟ فقلت: أنا، فقال:"أنا, أنا"كأنه كره ذلك) وربما ترجع كراهة النبي لذلك، إلى أَن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب، فإن لفظ (أَنا) لا تحصل به المعرفة، وربما أوهم غرورَ المجيب بنفسه، فكأنه يرى أَنه الشخص الذي لا يجهله أَحد، فيكفى أن يقول عن نفسه: (أَنا) ليعرف."