الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ قَوْله تَعَالَى {فَكُلُوا} ، {وَأَطْعِمُوا} عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ أَبِي ثَعْلَبَةَ.
الثَّانِي: أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ قَالَهُ ابْنُ شُرَيْحٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَكْلَ مُسْتَحَبٌّ ، وَالْإِطْعَامَ وَاجِبٌ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ مَالِكٍ ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُمَا وَاجِبَانِ فَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ الْقَوْلِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَفِيهِ غَرِيبَةٌ مِنْ الْفِقْهِ لَمْ تَقَعْ لِي ، مُذْ قَرَأْت الْعِلْمَ ، لَهَا نَظِيرٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّهُمَا جَمِيعًا يُتْرَكَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ لَمْ يُتَصَوَّرْ شَرْعًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ إلَّا إتْلَافُهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِحْبَابُهُمَا مَعًا ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْبَدَلِ ، أَوْ يُقَالُ الْأَكْلُ مُسْتَحَبٌّ ، وَالْإِطْعَامُ وَاجِبٌ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ.
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْأَكْلَ وَاجِبٌ ، وَقَدْ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا بِأَمْثِلَةٍ وَرَدَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ أَمْرٌ بِدَلِيلٍ لَا يَسْقُطُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، فَفِيهِ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ جَهْلٌ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: يَأْكُلُ مِنْهُ.