(فصل احفظ دينك ومروءتك بترك الحرام)
العجب لمؤثر شهوات الدنيا، ألا يتدبر أمرها بالعقل قبل أن يصير إلى منقولات الشرع.
إن أعطم لذات الحس الوطء، فالمرأة المستحسنة إنما يكون حال كمالها من وقت بلوغها إلى الثلاثين، فإذا بلغتها أثر فيها ما مضى من عمرها في الولادة وغيرها.
وربما أبيضت شعرات من رأسها فينفر الإنسان منها. وقد يقع الملل قبل ذلك، وطول الصحبة يكشف العيوب.
وما عيب نساء الدنيا بأبلغ من قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} .
فلو تفكر الإنسان في جسد مملوء بالنجاسة ما طالب له ضمه، غير أن الشهوة تغطي عين الفكر.
فالعاقل من حفظ دينه ومروءته بترك الحرام، وحفظ قوته في الحلال فأنفقتها في طلب الفضائل من علم أو عمل.
ولم يسع في إفناء عمره وتشتيت قلبه في شيء لا تحسن عاقبته:
ما في هوادجكم من مهجتي عوضٌ ... إن متّ شوقاً ولا فيها لها ثمن
وعموم من رأينا من الكبار غلبت عليهم شهوة الوطء فانهدمت أعمارهم، ورحلوا سريعاً.
وقد رأينا من العقلاء من زجر نفسه عن هذه المحنة ولم يستعملها إلا وقت الحاجة، فبقي لهم سواد شعورهم وقوتهم حتى تمتعوا بها في الحياة وحصلوا المناقب، وعرفت منهم النفوس قوة العزيمة فلم تطالبهم بما يؤذي. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...