وهَبْ أن لك بنتاً بلغت سنَّ الزواج ، وعلمتَ أن شاباً ينظر إليها ، أو يحاول الاقتراب منها ، أو ما شابه ذلك ، ماذا سيكون موقفك؟ لا شكَّ أن نار الغيرة ستشتعل بداخلك ، وربما تعرَّضْتَ لهذا الشاب ، وأقمْتَ الدنيا ولم تُقعِدْها.
لكن إذا ما طرق هذا الشاب بابَك ، وتقدَّم لخطبة ابنتك فسوف تقابله بالترْحَاب وتسعد به ، وتدعو الأهل ، وتقيم الزينات والأفراح.
إذن: فما الذي حدث؟ وما الذي تغيَّر؟ وما الفرق بين الأولى والثانية؟
الفرق بينهما هو الفرق بين الحلال والحرام ؛ لذلك قيل:"جدع الحلال أنف الغيرة".
فالذي يغَارُ على بناته من لمسة الهواء تراه عند الزواج يُجَهِز ابنته ، ويُسلمها بيده إلى زوجها ؛ لأنهما التقيا على كلمة الله ، هذه الكلمة المقدسة التي تفعل في النفوس الأعاجيب.
مجرد أن يقول وليُّ الزوجة: زوجتُكَ ، ويقول الزوج: وأنا قبلتُ. تنزل هذه الكلمة على القلوب بَرْداً وسلاماً ، وتُحدِث فيها انبساطاً وانشراحاً ؛ لأن لهذه الكلمة المقدسة عملاً في التكوين الذاتي للإنسان ، ولها أثر في انسجام ذراته ، وفي كل قطرة من دمه.
ومن آثار كلمة الله التي يلتقي عليها الزوجان ، أنها تُحدِث سيالاً بينهما ، هو سِيَال الاستقبال الحسن ، وعدم الضَّجَر ، وعدم الغيرة والشراسة ، فيلتقيان على خير ما يكون اللقاء.
ولذلك حينما يُشرِّع لنا الحق تبارك وتعالى العِدَّة ، نجد عدة المطلقة غير عِدَّة المتوفَّى عنها زوجها ، وفي هذا الاختلاف حكمة ؛ لأن الحق سبحانه يعلم طبيعة النفس البشرية وما يُؤثّر فيها.
ولو كانت الحكمة من العدة مجرد استبراء الرحم لكفى شهر واحد وحَيْضة واحدة ، إنما الأمر أبعد من ذلك ، فعند المرأة اعتبارات أخرى وما زالت تحت تأثير الزواج السابق ؛ لأن سيال الحال فيه التقاء الإيجاب والسلب من الرجل والمرأة ، وقد تعودتْ المرأة على الإيجاب الحلال والسلب الحلال.