وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه".
فالحق سبحانه خالق الإنسان ، وهو أعلم به لا يريد له أنْ يقتربَ من المحظور ؛ لأن له بريقاً وجاذبية كثيراً ما يضعف الإنسان أمامها ؛ لذلك نهاه عن مجرد الاقتراب ، وفَرْقٌ بين الفعل وقُرْبان الفعل ، فالمحرّم المحظور هنا هو الفِعْل نفسه ، فلماذا إذن حرَّم الله الاقتراب أيضاً ، وحذّر منه؟
نقول: لأن الله تعالى يريد أنْ يرحَم عواطفك في هذه المسألة بالذات ، مسألة الغريزة الجنسية ، وهي أقوى غرائز الإنسان ، فإنْ حُمْتَ حولها توشك أن تقعَ فيها ، فالابتعاد عنها وعن أسبابها أسلَمُ لك.
وحينما تكلًّم العلماء عن مظاهر الشعور والعلم قسَّموها إلى ثلاث مراحل: الإدراك ، ثم الوجدان ، ثم النزوع.
فلو فرضنا أنك تسير في بستان فرأيتَ به وردة جميلة ، فلحظة أنْ نظرتَ إليها هذا يُسمَّى"الإدراك"؛ لأنك أدركتَ وجودها بحاسة البصر ، ولم يمنعك أحد من النظر إليها والتمتُّع بجمالها.
فإذا ما أعجبتك وراقك منظرها واستقر في نفسك حُبُّها فهذا يسمى"الوجدان"أي: الانفعال الداخلي لما رأيتَ ، فإذا مددتَ يدك لتقطفها فهذا"نزوع"أي: عمل فعلي.
ففي أي مرحلة من هذه الثلاث يتحكَّم الشرع؟
الشرع يتحكم في مرحلة النزوع ، ولا يمنعك من الإدراك ، أو من الوجدان ، إلا في هذه المسألة"مسألة الغريزة الجنسية"فلا يمكن فيها فَصْل النزوع عن الوجدان ، ولا الوجدان عن الإدراك ، فهي مراحل ملتحمة ومتشابكة ، بحيث لا تقوى النفس البشرية على الفَصْل بينها.
فإذا رأى الرجل امرأة جميلة ، فإن هذه الرؤية سرعان ما تُولِّد إعجاباً وميلاً ، ثم عِشْقاً وغريزة عنيفة تدعوه أنْ تمتدَّ يده ، ويتولد النزوع الذي نخافه ، وهنا إما أنْ ينزعَ ويُلبي نداء غريزته ، فيقع المحرم ، وإما أنْ يعف ويظل يعاني مرارة الحرمان.