بعد أن تحدّث الحق سبحانه عما يحفظ النسل ويستبقي خلافة الله في الأرض ، أراد سبحانه أن يحمي هذا النسل من الضياع ، ويوفر له الحياة الكريمة. والإنسان منّا حينما يُرزَق بالولد أو البنت يطير به فَرحاً ، ويُؤثِره على نفسه ، ويُخرج اللقمة من فيه ليضعها في فم ولده ، ويسعى جاهداً ليُوفّر له رفاهية العيش ، ويُؤمِّن له المستقبل المُرْضِي ، وصدق الشاعر حين قال:إنما أَوْلاَدُنَا أكبادُناَ تمشي عَلَى الأَرْضِإنْ هَبَّتْ الريحُ على بَعْضهِم امتنعَتْ عَيْني عَنِ الغُمْضِلكن هذا النظام التكافليّ الذي جعله الحق سبحانه عماداً تقوم عليه الحياة الأسرية سرعان ما ينهار من أساسه إذا ما دَبَّ الشكُّ إلى قلب الأب في نسبة هذا الولد إليه ، فتتحوّل حياته إلى جحيم لا يُطَاق ، وصراع داخلي مرير لا يستطيع مواجهته أو النطق به ؛ لأنه طَعْن في ذاته هو.
لذلك يُحذِّرنا الحق - تبارك وتعالى - من هذه الجريمة النكْراء ؛ ليحفظ على الناس أنسابهم ، ويطمئن كل أب إلى نسبة أبنائه إليه ، فيحنو عليهم ويرعاهم ، ويستعذب ألم الحياة ومتاعبها في سبيل راحتهم.
فيقول تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَىا..} [الإسراء: 32]
والمتأمل في آي القرآن الكريم يجد أن الحق سبحانه حينما يُكلِّمنا عن الأوامر يُذيِّل الأمر بقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا..} [البقرة: 229]
والحديث هنا عن أحكام الطلاق ، فقد وضع له الحق سبحانه حدوداً ، وأمرنا أن نقف عندها لا نتعداها ، فكأنه سبحانه أوصلنا إلى هذا الحد ، والممنوع أن نتعداه.
وأما في النواهي ، فيُذيلها بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا..} [البقرة: 187]
والنهي هنا عن مباشرة النساء حال الاعتكاف ، وكأن الحق سبحانه يريد ألاّ نصلَ إلى الحدِّ المنهي عنه ، وأنْ يكون بيننا وبينه مسافة ، فقال {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} لنظلّ على بُعْدٍ من النواهي ، وهذا احتياط واجب حتى لا نقتربَ من المحظور فنقع فيه.