وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى «أُفٍّ» ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كُلُّ مَا غَلُظَ مِنَ الْكَلَامِ وَقَبُحَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْأُفُّ: وَسَخُ الْأَظْفَارِ وَالتُّفُّ كُلُّ مَا رَفَعْتَ بِيَدِكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ حَقِيرٍ. وَلِلْعَرَبِ فِي أُفٍّ لُغَاتٌ سِتٌّ: رَفْعُهَا بِالتَّنْوِينِ وَغَيْرِ التَّنْوِينِ، وَخَفْضُهَا كَذَلِكَ، وَنَصْبُهَا، فَمَنْ خَفَضَ ذَلِكَ بِالتَّنْوِينِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. شِبْهُهَا بِالْأَصْوَاتِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا، كَقَوْلِهِمْ فِي حِكَايَةِ الصَّوْتِ غَاقٍ غَاقٍ، فَخَفَضُوا الْقَافَ وَنَوَّنُوهَا، وَكَانَ حُكْمُهَا السُّكُونَ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ يُعْرِبُهَا مِنْ أَجْلِ مَجِيئِهَا بَعْدَ حَرْفٍ سَاكِنٍ وَهُوَ الْأَلِفُ، فَكَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، فَحَرَّكُوا إِلَى أَقْرَبِ الْحَرَكَاتِ مِنَ السُّكُونِ، وَذَلِكَ الْكِسَرُ، لِأَنَّ الْمَجْزُومَ إِذَا حُرِّكَ فَإِنَّمَا يُحَرَّكُ إِلَى الْكِسَرِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ خَفَضُوا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا يُدْخِلُونَ التَّنْوِينَ فِيمَا جَاءَ مِنَ الْأَصْوَاتِ نَاقِصًا، كَالَّذِي يَأْتِي عَلَى حَرْفَيْنِ مِثْلَ: مَهٍ وَصَهٍ وَبَخٍ، فَيُتَمَّمُ بِالتَّنْوِينِ لِنُقْصَانِهِ عَنْ أَبْنِيَةِ الْأَسْمَاءِ. قَالُوا: وَأُفٌّ تَامٌّ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى تَتِمَّتِهِ بِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا كَسَرْنَا الْفَاءَ الثَّانِيَةَ لِئَلَّا نَجْمَعَ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ ضَمَّ وَنَوَّنَ، فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ اسْمٌ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُعْرَبُ وَلَيْسَ بِصَوْتٍ، وَعَدَلَ بِهِ عَنِ الْأَصْوَاتِ.
وَأَمَّا مَنْ ضَمَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ هُوَ بِاسْمٍ مُتَمَكِّنٍ فَيُعْرَبُ بِإِعْرَابِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَمَكِّنَةِ، وَقَالُوا: نَضُمُّهُ كَمَا نَضُمُّ قَوْلَهُ {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} وَكَمَا نَضُمُّ الِاسْمَ فِي النِّدَاءِ الْمُفْرِدِ، فَنَقُولُ: يَا زَيْدُ. وَمَنْ نَصَبَهُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَهُوَ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ وَأَهْلِ الشَّامِ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِقَوْلِهِمْ: مُدَّ يَا هَذَا وَرُدَّ.