أما الحق الآخر فحقٌّ غير معلوم وغير موصوف ، وهو التطوع والإحسان ، حيث تتطوَّع لله بجنس ما فرضه عليك ، كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19]
ولم يقل:"معلوم": لأنه إحسان وزيادة عَمَّا فرضه الله علينا.
ويجب على من يُؤْتِى هذا الحق أن يكون سعيداً به ، وأن يعتبره مَغْنماً لا مَغْرماً ؛ لأن الدنيا كما نعلم أغيار تتحول وتتقلب بأهلها ، فالصحيح قد يصير سقيماً ، والغني قد يصير فقيراً وهكذا ، فإعطاؤك اليوم ضمانٌ لك في المستقبل ، وضمان لأولادك من بعدك ، والحق الذي تعطيه اليوم هو نفسه الذي قد تحتاجه غداً ، إنْ دارتْ عليك الدائرة.
إذن: فالحق الذي تدفعه اليوم لأصحابه تأمين لك في المستقبل يجعلك تجابه الحياة بقوة ، وتجابه الحياة بغير خور وبغير ضعف ، وتعلم أن حقك محفوظ في المجتمع ، وكذلك إنْ تركتَ أولادك في عوزٍ وحاجة ، فالمجتمع مُتكفِّل بهم.
وصدق الله تعالى حين قال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9]
ولذلك ، فالناس أصحاب الارتقاء والإثراء لورعهم لا يعطون الأقارب من أموال الزكاة ، بل يخصُّون بها الفقراء الأباعد عنهم ، ويُعْطون الأقارب من مالهم الخاص مساعدة وإحساناً.
و الْمِسْكِينَ {هو الذي يملك وله مال ، لكن لا يكفيه ، بدليل قوله الحق سبحانه:أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ..} [الكهف: 79]
أما الفقير فهو الذي لا يملك شيئاً ، وقد يعكس البعض في تعريف المسكين والفقير ، وهذا فهم خاطئ.
و وَابْنَ السَّبِيلِ.. { [الإسراء: 26]