قوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ} : أي أمر أمراً مقطوعاً به... وإنها لكلمة مروِّعة ترجّ النفس رجاً وتزلزل أرجاءها زلزالاً شديداً. ولا جرم أنه كتاب الله الذي أحكمت آياته. أما قوله سبحانه: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} : أي قضى ربك بأن لا تعبدوا إلا إياه؛ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. وقوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ، أي وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وقوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا} ، فإما: هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيداً لها، فكأنه قال: إن يبلغن، وأحدهما فاعل يبلغن، و {أُفٍّ} : صوت يدل على التضجر، وعندك: قال الزمخشري: معناه: أن يكبرا ويعجزا ويصيرا كَلاًّ على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب
والاحتمال، حتى لا يقول لهما - إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما -: أُفٍّ، فضلاً عما يزيد على أفٍّ... قال: ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما كما ترى، حيث افتتح الآية بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما - التوحيد والإحسان إلى الوالدين - في سلك القضاء - الأمر - بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة... وقوله: {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} : أي لا تنههما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} : أي جميلاً، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقوله سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} ، قال الإمام الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} ، فأضافه إلى الذُّلِّ أو الذِّلِّ كما أضيف حاتم إلى الجود، على معنى واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول، والثاني: أن تجعل لذُلِّه أو لِذِلِّه لهما جناحاً خفيضاً كما جعل لبيد - الشاعر المخضرم - للشمال يداً وللقرة زماماً مبالغة في التذلل والتواضع لهما، وقوله سبحانه: {مِنَ الرَّحْمَةِ} : أي من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما
وافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس،