وحكى القرطبي عن المحاسبي في كتاب"الرعاية"أنه قال: لا خلاف بين العلماء في أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع.
وحكى القرطبي عن الليث أن للأم ثلثي البر وللأب الثلث ، بناء على اختلاف رواية الحديث المذكور أنه قال: ثم أبوك بعد المرة الثانية أو بعد المرة الثالثة.
والوجه أن تحديد ذلك بالمقدار حوالة على ما لا ينضبط وأن محمل الحديث مع اختلاف روايتيه على أن الأم أرجح على الإجمال.
ثم أمر بالدعاء لهما برحمة الله إياهما وهي الرحمة التي لا يستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى.
وهذا قد انتُقل إليه انتقالاً بديعاً من قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} فكان ذكر رحمة العبد مناسبة للانتقال إلى رحمة الله ، وتنبيهاً على أن التخلق بمحبة الولد الخير لأبويه يدفعه إلى معاملته إياهما به فيما يعلمانه وفيما يخفى عنهما حتى فيما يصل إليهما بعد مماتهما.
وفي الحديث"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ، وعلم بثه في صدور الرجال ، وولد صالح يدعو له بخير"
وفي الآية إيماء إلى أن الدعاء لهما مستجاب لأن الله أذن فيه.
والحديث المذكور مؤيد ذلك إذ جعل دعاء الولد عملاً لأبويه.
وحكم هذا الدعاء خاص بالأبوين المؤمنين بأدلة أخرى دلت على التخصيص كقوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113] الآية.
والكاف في قوله: كما ربياني صغيراً للتشبيه المجازي يعبر عنه النحاة بمعنى التعليل في الكاف ، ومثاله قوله تعالى: {واذكروه كما هداكم} [البقرة: 198] ، أي ارحمهما رحمة تكافئ ما ربياني صغيرا.
وصغيراً حال من ياء المتكلم.
والمقصود منه تمثيل حالة خاصة فيها الإشارة إلى تربية مكيفة برحمة كاملة فإن الأبوة تقتضي رحمة الولد ، وصغرالولد يقتضي الرحمة به ولو لم يكن ولداً فصار قوله: {كما ربياني صغيراً} قائماً مقام قوله كما ربياني ورحماني بتربيتهما.