ثم ذكر نوعا آخر من مثالبهم ، فقال جل قوله"فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ"ولم يذهبوا معه إلى غزوة تبوك التي هي آخر غزواته صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان عليهم أن يأسفوا ويحزنوا لما فاتهم من صحبته في هذه السّفرة الطّويلة ويتأثروا على مخالفة أمره وهم بالعكس راق لهم البقاء في المدينة"وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"مع رسوله وأصحابه لإعلاء كلمة اللّه وكسر شوكة أعدائه ونصرة أوليائه واختاروا الرّاحة والقعود مع أهليهم وأولادهم وأموالهم على مرافقة الرّسول وتكثير سواده ،"وَقالُوا"لبعضهم يقصد تثبيطهم وغزوة رسول اللّه ما تخلفوا ، ولكنهم قوم فقدوا عقولهم فاتركهم"فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا"في هذه الدّنيا الفانية على راحتهم فيها وتخلفهم عن الجهاد معك"وَلْيَبْكُوا كَثِيراً"في الدّار الآخرة الباقية على ما فرط منهم وفرحوا به"جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ" (82) من الأعمال القبيحة والأفعال الخبيثة.
قال علي كرم اللّه وجهه لابنه الحسن: إن أغنى الغنى العقل ، وأكبر الفقر الحمق.
وإذا كانوا حمقا ولا عقول لهم فلا يرجى منهم خير ولا عود إلى الخير.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.
وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك قال:
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول يا أيها النّاس ابكوا فإن لم تستطيعوا أن تبكوا فتباكوا فإن أهل النّار يبكون في النّار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تقطع الدّموع ، فتسيل الدّماء ، فتفرغ العيون فلو أن سقنا أجريت فيها لجرت.