وقوله: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} (أو) حرف عطف، وهي هنا لتفصيل الجمل وتصرف الشيء مرة كذا ومرة كذا، أي: جاء بعضهم بأسنا ليلًا، وبعضهم نهارًا، فهي في الخبر هنا بمنزلة (أو) في الإِباحة.
و {أَوْ} ها هنا أحسن من الواو، لأن الواو توجب اجتماع الشيئين، و (أو) التي للإِباحة توجبهما مجتمعين ومفترقين، ألا ترى أنك إذا قلتَ: ضربت القوم ضاحكين وباكين، لأوجبتِ الواوُ أنك ضربتهم وهم على هاتين الحالين، وإذا قلتَ: ضربتهم ضاحكين أو باكين، مخبرًا غير شاكٍّ لأوجبتْ (أو) أنك ضربتهم مرة على هذه الحال، ومرة على هذه الحالة، وكذا في الآية.
ولو أتيت فيها بالواو مكان {أَوْ} لصار المعنى: أهلكناهم بالليل وهم قائلون. والبيات بالليل، والقائلة بالنهار، يقال: قال يقيل قَيلًا وقيلولة ومقيلًا فهو قائل، فاعرفه.
والجملة بعدها في موضع الحال من المضاف المحذوف، كأنه قيل: فجاء أهلها بأسنا بائتين أو قائلين.
فإن قلت: الجملة إذا وقعت حالًا كان معها واو الحال، نحو: جاءني
زيد وأبوه منطلق، فلم قيل هنا (أو هم) بغير واو الحال؟.
قلت: قال الفراء: إن الواو هنا محذوفة، والتقدير: أو وهم قائلون، وإنما حذفت كراهة اجتماع حرفي عطف؛ لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل.
ورده أبو إسحاق: وقال: لو قلت: جاءني زيدٌ راجلًا أو هو فارس، أو جاءني زيد هو فارس، لم يحتج فيه إلى واو؛ لأن الذِّكْر قد عاد على الأول، وإذا عاد الذكْر استُغني عن الواو.
والصحيح من المذهب وعند الحذاق، أن الحال إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالًا لاجتماع حرفي عطف، لما ذكرت آنفًا من أن واو الحال وهي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك: جاءني زيد راجلًا أو هو فارس، كلام فصيح وارد على حدِّه، وبه ورد القرآن العزيز.
ولو قلت: جاءني زيد هو فارس بغير الواو لكان خبيثًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا.
فإن قلت: لم خُص هذان الوقتان: وقت البيات، ووقت القيلولة بالعذاب؟ قلت: قيل: لأنهما وقتا الغفلة والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وجاء في التفسير: أن قوم لوط أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.