وأيضا العقود لها صور ومعان فاعتبار صورة العقد ومعناه كالعزيمة كما في النكاح والبيع المجمع عليهما، واعتبار صورته فقط كالرخصة كما في التحليل وبيع المعاملة، ونظيره من العقليات الحد التام من الجنس والفصل جميعا، والفصل وحده حد ناقص، ولأن الصورة أمارة يدور الحكم عليها.
ولما قيل لهم: الحيلة قنطرة الحرام، قالوا: فقد حصل مقصودنا؛ لأن القنطرة إنما وضعت لتمنع من الوقوع في الماء فالحيلة تخلصنا من الحرام.
واعلم أنهم غلطوا في هذا الفهم أو غالطوا؛ لأن أولئك إنما أرادوا أن الحيلة قنطرة إلى الحرام: موصلة إليه لا أنها قنطرة عليه مخلصة منه، وفي هذه المسألة بحث طويل هذا حاصله، وتعظيم الشعائر والحرمات في طرف من حرّم الحيل المخيلات.
{وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (164) [الأعراف: 164] تدل على وجوب إنكار المنكر على من أصر عليه وعلم أنه لا يزدجر بشرط أمن المفسدة الراجحة؛ وتفصيله أن الإنكار إن خلا عن مفسدة أصلا وجب، وإن استلزم مفسدة/ [199/ل] راجحة لم يجب، وإن تضمن مفسدة مساوية لمصلحة احتمل الخلاف والتخيير والأولى الترك؛ لأن تحريك الساكن يخشى منه التفاقم.
{فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ} (165) [الأعراف: 165] اعلم أن أصحاب السبت انقسموا إلى: مباشر للمعصية/ [93 ب/م] ومنكر لها ناه عنها، ولا مباشر ولا منكر، فلم ينج من العذاب إلا الناهون، وأما العصاة فعوقبوا بمعصيتهم والساكتون عنها عوقبوا لتركهم الإنكار الواجب. وتعلقت الشيعة بهذا؛ إذ زعموا أن الصحابة انقسموا إلى: مؤذ لأهل البيت ومعين له، وساكت عن الإنكار والنصرة مع القدرة، ومنكر منتصر بلسانه أو قلبه. قالوا: والفرق الثلاث الأول هالكة والناجية هي الرابعة وهم الشيعة أولا وآخرا كما في أصحاب السبت.