قال بعض النفاة: أحد الأمرين لازم، إما بطلان مذهب المثبتين أو صحة مذهب الاتحادية؛ لأن إثبات الجهة والاستواء يستلزم التجسيم، وهو لا يصح إلا على رأي الاتحادية الذين يجيزون ظهور الحق سبحانه وتعالى في المظاهر الجسمانية والأطوار الطبيعية، وإليه الإشارة بقول الحلاج للجنيد: يا معلم، من الذي يأتي البشر على رسوم الطبع؟ فقال له الجنيد: اسكت، ويحك! أي خشبة تريد أن تفسد.
{إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ} (54) [الأعراف: 54] احتج به من قال: إن القرآن ليس بمخلوق؛ لأن القرآن هو الأمر، والأمر غير الخلق، فالقرآن غير الخلق، فالقرآن غير مخلوق، وأما أن القرآن هو الأمر، فلقوله - عز/ [89 ب/م] وجل: {إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (3) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ} (5) [الدخان: 3 - 5] ففسر القرآن بالأمر، وأما أن الأمر غير الخلق
فلعطفه عليه في هذه الآية والعطف يقتضي التغاير، وأجاب الخصم بأن الأمر مشترك بين القرآن وغيره. ولا نسلم أن المراد به هاهنا القرآن سلمناه، لكن لا نسلم أن الأمر غير الخلق، وعطفه عليه ليس عطف تغاير، بل عطف خاص على عام.
{اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (55) [الأعراف: 55] تنبيه على عظمته التي يستحق بها ضراعة غير له.
{وَخُفْيَةً} تنبيه على قربه الذي لا يحتاج معه إلى أن يجهر له، كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا قريبا، إنه أقرب/ [191، ل] إلى أحدكم من عنق راحلته» .