فالنور الحقيقي هو الله تعالى وما سواه مخلوق ظلماني، وكمال العبد في العبودية بالخروج عن ظلمات أنانيته إلى نور هويته وفقدان وجوده في وجدان وجود الحق، والحكمة في بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب في الأمور والنواهي وجميع أحكام الشرع وآدابه مقصورة على هذا المعنى، ولهذا ذكر الله تعالى في مواضع من القرآن {لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9] ، وإن أخرج قومك من الظلمات إلى النور فالله تعالى بجوده وكرمه جمع أصول ما في الكتب المنزلة في سور القرآن، وأودع حقائق ما في سور القرآن في سورة فاتحة الكتاب؛ بل في المراتب العشر للربوبية كما ذكرنا محصورة في المراتب الأربعة إلى قولنا: الهداية من الأزل إلى الأبد؛ لأن العبد كان محتاجاً إلى هدايته في الأزل بأن يهديه إلى الوجود وهي لو لم تكن هدايته لكان ضالاً في تيه العدم وهذا أحد معاني قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] .
فلما هدى العبد بهداية:"كن"فخرج عن ضلالة العدم إلى هدى الوجود الروحاني فكان ضالاً في عالم الأرواح، كما قيل: ضل الماء في اللبن، فاحتاج إلى هدايته ليخرجه بهداية {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] من ضلالة الروحاني إلى هدى عالم الجسماني إلى أن بلغ كمال مرتبة الإنسانية بالبلوغ والعقل، فيضل في تيه أنانية الوجود فيحتاج إلى هدايته بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي جاء عليه من العدم إلى الوجود حتى يرجع عليه من الوجود إلى العدم فقوله: {اهْدِنَا} طلب أسباب الرجوع وهي في صورة النبي والشرع، وفي الحقيقة جذبة الحق ليهديه بهذه إلى العدم وفناء الوجود، كما هداه إلى الوجود بالنفخة ليهتدي إلى واجب الوجود وهذا معنى آخر من معاني:
{وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] .