وأما في الأمور الجسمانية فقسمان: الأمور المطلوبة بالذات والمطلوبة بالعرض، أما المطلوبة بالذات: فهي اللذات الجسمانية وهي محصورة في المطعوم والمنكوح، وقد قال تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] ، فالرحمة على البدن هو الامتناع من الإسراف. وأما المطلوبة بالعرض: فهو المال، والرحمة فيه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67] ، فهذه مقاصد كل أحد من الرحمة على نفسه: وأما رحمته على غيره فاعلم أن كما الإنسان في كمال العبودية، وكمال العبودية في رعاية حقوق الربوبية وإيصال الحظوظ إلى البرية ورفع الأذية كما قال صلى الله عليه وسلم:"التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله"وكان آخر وصيته صلى الله عليه وسلم في آخر حياته:"الصلاة وما ملكت أيمانكم".
وقال بعض المشايخ: مجامع الخيرات محصورة في أمرين: الصدق مع الحق والخُلُق مع الخلق. ومما يدل أن هذه المرتبة أعظم المراتب وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 17] ، وقال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] ، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فبدأ في الذكر بوصف أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالرحمة، فقال:"أرحم أمتي أبو بكر"والقول في خصوصية الرحمن دون سائر الصفات من وجوه:
أولها: أنه أخص أسماء الصفات إلى الذات؛ لأن الأسماء على نوعين أسماء صفات اللطف وأسماء صفات القهر، وللرحمن خصوصيته بالصفتين بأن يوجد منه اللطف والقهر كما يوجد من الذات المقدسة، ويوجد منه الإيجاد والإفناء كما يجيء، وهذا من خصائص الذات الإلهي دون سائر الصفات، فثبت أنه أخص الأسماء.