إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس , وأقطار الحس . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحيية , التي تنتفض بعدها المشاهد والمعاني أحياء في الحس والخيال . . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر , جديد نابض , كأنما تتلقاه النفس أول مرة ; وكأنما لم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان !
وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها , متشابكة معها ; في المجرى المتصل المتدفق !
وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة , تبلغ حد"الروعة الباهرة"التي وصفنا - مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين - وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة , وبالحيوية الدافقة , وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة !
ونحن - سلفا - على يقين أننا لسنا ببالغين شيئا في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي , وإيقاعها الذاتي , إلى هذا القلب . . لسنا ببالغين شيئا بالوصف البشري والأسلوب البشري . . ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن - بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن - وبين هذا القرآن !