ثمّ ذكر أنّه ما دعاهم إلّا إلى الذي أرسله الله به، وأمره أن يبلّغه، وهو عبادة الله، وأنه كان يشهد على أعمالهم ما دام فيهم وبين أظهرهم، فلمّا رفعه الله - عزّ وجل - لم يعد إلا الله رقيبا عليهم، وهو وحده الشهيد على كل شيء، ثمّ ردّ المشيئة إلى الله في أمر تعذيبه إياهم، أو مغفرته لهم. وفي ردّه المشيئة لله في هذا المقام تبرّ من النّصارى الذين كذبوا على الله ورسوله عيسى، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وعندئذ يقول الله تعالى مجيبا لعبده ورسوله عيسى بن مريم فيما أنهاه إليه من التبري من النّصارى الملحدين الكاذبين على الله ورسوله، ومن ردّ المشيئة فيهم إلى ربه عزّ وجل: مبيّنا جلّ جلاله أن يوم القيامة هو اليوم الذي ينفع الموحدين توحيدهم، فهم وحدهم الذين يدخلهم جنته ماكثين فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون، ولهم من الله الرضى، وأي فوز أكبر وأعظم من هذا؟. ثم يختم الله - عزّ وجل - السورة بتبيان أن الله هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرّف فيها، القادر عليها، فالجميع ملكه، وتحت قهره، وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير، ولا وزير، ولا عديل، ولا والد، ولا ولد، ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه.
وفي انتهاء سورة المائدة بهذه الخاتمة التي هي تسجيل لموقف من مواقف يوم القيامة
مجموعة من الحكم العظيمة المرتبطة بسياق السورة العام، فهي من ناحية درس للنصارى الذين نقضوا عهد الله وميثاقه، ودرس للصادقين المهتدين، فإذا كان محور السورة يتحدث عما به يكون الضلال وعمّا به تكون الهداية، وإذا كانت السورة تحريرا من أسباب الضلال وتحقيقا بأسباب الهداية، فمن خلال هذا العرض لمشهد من
مشاهد يوم القيامة نعرف طريق الله، ونعرف ضلال الضالين، ونعرف طريق النجاة، وفيما سيأتي مزيد من البيان لهذه المعاني:
المعنى الحرفي: