فأَما تأييده له - من حين ولادته - فذلك أَنه أَقدره على أَن يكلم الناس - بحكمة وعلم - وهو في المهد. قبل أَوان الكلام. ومن ذلك قوله لقومه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ... } . وذلك ردًّا على اتهامهم أُمَّهُ بسوءِ السلوك، حين ولدته دون زوج.
وأَما تأْييده له في الكهولة: فهو إِعانته على تبليغه رسالة ربه. بنزوله بالوحي عليه, وإِظهار المعجزات على يديه.
وقد جعل الله تأْييده عيسى بروح القدس نعمة عليه، وعلى والدته مريم - عليهما السلام - لما ترتب عليه من إِثبات كرامتهما على الله وطُهْر مَنشَئِه, ونظافة عِرْض أمه.
وكذلك سائر النعم التي أَنعم الله بها على عيسى هي - في الوقت نفسه - نِعَمٌ على أُمه مريم عليهما السلام.
والمعنى الإِجمالي للآية الكريمة:
واذكر - أيها المتأَمل المُنصِف - وقت أَن قال الله لعيسى ابن مريم؛ تذَكَّرْ نعمتى عليك يا عيسى وعلى والدتك حين قَوَّيْتُك وأعَنْتُكَ بجبريل الروح المطهر. وكان تأييدنا لك به: أَنك تكلم الناس - في مهد الطفولة, وفي زمان الكهولة - كلام الحكماء الراسخين في العلم، الملهمين من العليم الحكيم.
{وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} :
وتذكَّر يا عيسى. نعمتى عليك، إِذ علمتك (الْكِتابَ) : أَي جنس الكتاب. فيشمل الكتب السابقة؛ لأنها - جميعًا - متفقة في أصول العقيدة , وأُصول الشريعة.
وعلمتك (الْحِكمَةَ) : أَي سداد الرأْي، وإصابة الحق، وفَهْمَ أَسرار العلوم.
(وَالتَّوْرَاةَ) : التي أَنزلتها على موسى.
(وَالْإِنجِيلَ) : الذي أنزلته عليك لتكتمل بهما رسالتك.
وخصهما بالذكر - مع شمول الكتاب لهما - لأَنهما أَهم الكتب التي أَنزلها الله على أنبياء بني إِسرائيل: ومنهما تؤخذ شريعتك.
{وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} :