قال ابن عرفة: نفى هنا الأخص ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، لقوله (مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) فلو حذف لي وقال: ما ليس بحق بالإطلاق لكان النفي أبلغ؛ لأنه يقول ما هو حق له، ألا ترى أن الشخص إذا قال: لَا أطلب ما ليس لي بحق يفهم أنه يطلب ما هو حق له؟ فلو قال: لَا أطلب ما ليس بحق بالإطلاق، والجواب أن الأمر في هذا كله مستو بينه وبين غيره فالأخص منهما مساو للأعم فيلزم من نفيه نفيه.
قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) .
ابن عرفة: كان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم السبيلي ذكر في الخطبة: النفس في الله فأنكرها عليه ابن مرزوق، فرد عليه بهذه الآية فسكت وسلم له.
ابن عرفة: وهو خطأ؛ لأن هذا إنما هو على سبيل المشاكلة مثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) .
قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ... (117) }
ابن عرفة: هذا الحصر تارة يكون لازما وتارة يكون غير لازم، يقول: ما قتل عمرو إلا الفلج، فإن خاطبت من يعتقد أن الموالي لَا يتجاسرون على قتل أشراف الأحرار ويجوز أن يكون غيره قتله، ولا يجوز أن يقتله غيره لما فيه من الجرأة والإقدام على عظائم الأمور دون من سواه كان الحصر تأكيدا، والخطاب هنا لله تعالى العالم بخفيات الأمور، فهلا قال لهم: ما أمرتني به دون أداة الحصر.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بما تقرر في علم المنطق من أنه لَا تناقض بين النقيضين الوقتيين ولا بين المطلقتين، ولا بين المطلقة والوقتية، كقولك: زيد قائم
الآن، ولو قال هنا: قلت لهم: ما أمرتني به ليحصل الجواب على قوله (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فلما قال: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) كانت دائمة والدائمة تناقض الوقتية والمطلقة فحينئذ يتم الجواب، قال السفاقسي: وقوله (أَنِ اعْبُدُوا) تفسير للجملة المتقدمة على إلا، فرده ابن عرفة بأن مقابل إلا منفي فيلزمه أن يكون أن اعبدوا الله منفي وهو باطل، أو لَا يفسر المنفي بالمثبت.