عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) إن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوخش في اللَّه، (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) ، أي: وإن تغفر لمن أكرمت له بالإسلام والهدى (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا القول الوخش في اللَّه.
وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) ، يقول: إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم (فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإن تَغفِر) من أكرمت له الهدى (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) وهو ظاهر؛ لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة.
وروي في الخبر أن نبي اللَّه - عليه السلام - كان أحيا ليله بقوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) به قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو - واللَّه أعلم - على التشفع والتضرع إليه؛ كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟! وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!.
والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ...(119)
قيل:"قال..."بمعنى:"يقول اللَّه يوم القيامة" (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) ، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق - أيضًا - في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله.