الأول: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فأحبوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقينًا، وهو كقول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقينًا؛ فعلى ذلك أُولَئِكَ كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم - طمأنينة ويقينًا وصلابة في التصديق، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند اللَّه؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند اللَّه وكرامتهم.
والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى - عليه السلام - عند اللَّه وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟ واللَّه أعلم.
وإن كان السؤال من قوم غير الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، ولا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق.
وقوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) يقرأ بالياء والتاء جميعًا:
فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضمارًا؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.
ومن قرأ بالياء قال: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء.
قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟ وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عَبَّاسٍ وعائشة: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟! لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة.