وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله {من دون الله} أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث . أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق تعالى عن ذلك ولهذا قال عيسى {سبحانك} أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك . ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله {ما يكون} أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة . ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال {أن كنت قلته فقد علمته} ثم علل ذلك بقوله {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك . وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام ، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي ، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك ، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله {إنك أنت علام الغيوب} "أن"في قوله {أن اعبدوا الله} إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما . أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا"أن"فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله ، فيكون التفسير الصريح القول المقدر ، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط"أن". وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله ، فلو فسرته ب {اعبدوا الله} لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم ، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية ، فإن كان بدلاً من {ما أمرتني} والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم ، لأن العبادة لا تقال ، وإن جعلته بدلاً من الهاء في {به} لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله