(قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ...(119)
بعد أن ذكر سبحانه من مغيبات الأمور اليوم الذي يجمع الله الرسل وأقوامهم، وتكون المجاوبة بين عيسى وربه، وهو الحق الذي بعث به، وفيها بيان مقامه ممن افتروا عليه الكذب، وضلوا في افترائهم وإذا كان ذلك فيه إشارة إلى العذاب الذي يستقبل أولئك المفترين على الرسول والذين جاءتهم المعجزة الباهرة التي لَا يمارِي فيها إلا من ران على قلبه. بين سبحانه جزاء الذين يذعنون للحق، وسماهم سبحانه الصادقين وأن الذي ينفعهم هو صدقهم، والصدق شعبة مما طلبه الحق، ولكنه سبحانه جعله شعار المؤمنين، وذلك لأن الصدق هو وصفه الإيمان الذي يلازمه، ويروى في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل:"أيكون المؤمن جبانا؟ فأجاب عليه السلام: يكون المؤمن جبانا. وسئل أيكون بخيلا؟ فأجاب عليه السلام: يكون بخيلا، وسئل أيكون كذابا؟ فقال: لَا يكون المؤمن كذابا". فالكذب والإيمان نقيضان لَا يجتمعان، والإيمان يلازمه الصدق، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) .
والصدق يلازمه الإخلاص، ويكون معه القرب من الله تعالى، ولقد
قال عليه الصلاة والسلام"إنَّ الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا".
وإن الصدق ذو شعب ثلاث، أقربها الصدق في القول، فلا ينطق إلا بالحق، ولا ينطق إلا بما يجول بصدره، ولا يماري ولا يداهن، ولا يرفث في قول، والثانية صدق النفس فلا يغش نفسه، ولا يخدعها، بل يحاول أن يطلع على عيوبها ويعالج هذه العيوب، ولا يخدع نفسه ليكذب عليها، والثالثة، صدق الإنصاف، فلا يغمط غيره، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يضغن، وينصف أعداءه من نفسه.