وقد يقال: إن هذه الجملة مرشدة إلى ما قلنا أيضاً على رأي من يجعل مدار المماثلة بين الصيد والنعم المشاكلة والمضاهاة في بعض الأوصاف والهيآت مع تحقق التباين بينهما في بقية الأحوال فإن ذلك مما لا يهتدي إليه من أساطين أئمة الاجتهاد وصناديد أهل الهداية والرشاد إلا المؤيدون بالقوة القدسية.
ألا يرى أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ومن أسلفنا ذكره أوجبوا في قتل الحمامة شاة بناء على ما أثبت بينهما من المماثلة في العب والهدير مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضب والنون بل السمك والسماك فكيف يفوض معرفة هذه الدقائق العويصة إلى رأي عدلين من آحاد الناس على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص فبعد ما عين بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد نوع من أنواع النعم يتم الحكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجة إلى حكم أصلاً.
وقرأ محمد بن جعفر {ذُو عَدْلٍ} وخرجها ابن جني على إرادة الإمام ، وقيل: إن (ذو) تستعمل استعمال من للتقليل والتكثير ، وليس المراد بها هنا الوحدة بل التعدد ويراد منه إثنان لأنه أقل مراتبه ، وفي"الهداية""قالوا: والعدل الواحد يكفي والمثنى أولى لأنه أحوط وأبعد من الغلط"، وعلى هذا لا حاجة إلى حمل (ذو) على المتعدد ولا على الإمام بل المراد منها الواحد إماماً كان أو غيره ، ومن اشترط الإثنين حمل العدد في الآية على القراءة المتواترة على الأولوية ، والجملة صفة لجزاء أو حال من الضمير المستتر في خبره المقدر ، وقيل: حال منه لتخصيصه بالصفة ، وجوز ابن الهمام على قراءة رفع (جزاء) وإضافته أن تكون صفة لمثل كما أن تكون صفة لجزاء لأن مثلاً لا تتعرف بالإضافة فجاز وصفها ووصف ما أضيف إليها بالجملة.