والظاهر من الدليل جواز الحالات الثلاث المذكورة ، والعلم عند الله تعالى. وما قدمنا من حكاية الإجماع على عم الاكتفاء في المسح على الخف بالتيمم ، مع أن فيه بعض خلاف كما يأتي ، لأنه لضعفه عندنا كالعدم ، ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية الكريمة خوف الإطالة.
قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} الآية. اعلم أن لفظة {من} في هذه الآية الكريمة محتملة ، لأن تكون للتبعيض ، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية ، أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيِّب ، فلا يتعين ماله غبار ، وبالأول قال الشافعي ، وأحمد ، وبالثاني قال مالك ، وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى جميعاً.
فإذا علمت ذلك ، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير ، وذلك في قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} فقوله: {من حرج} نكرة في سياق النفي زيدت قبلها {مِنْ} والنكرة إذا كانت كذلك ، فهي نص في العموم ، كما تقرر في الأصول ، قال في (مراقي السعود) عاطفاً على صيغ العموم:
وفي سياق المنفي منها يذكر... إذا بنى أو زيد من منكر
فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج ، والمناسب لذلك كون {من} لابتداء الغاية ، لأن كثيراً من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال ، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد ، لا يخلو من حرج في الجملة.
ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ، فليصلِّ"، وفي لفظ:"فعنده مسجده وطهوره"الحديث.