فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة ، أو الرمل طهور له ومسجد.
وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون {من} للتبعيض غير صحيح. فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد ، دون غيره من أنواع الصعيد ، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فضِّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكةِ ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً ، وجعلت تربتها لنا طهورا ، إذا لم نجد الماء"، الحديث ، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك ، فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن كون الأمر مذكوراً في معرض الامتنان ، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة ، كما تقرر في الأصول ، قال في (مراقي السعود) في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:
أو امتنان أو وفاق الواقع... والجهل والتأكيد عند السامع
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله ، خص اللحم الطري منه في قوله: {وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14] ، لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان ، فلا مفهوم مخالفة له ، فيجوز أكل القديد مما في البحر.
الثاني: أن مفهوم التربة مفهوم لقب ، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء ، وهو الحق كما هو معلوم في الأصول.