وقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} أي مخاطبة من غير وسيطة، وتأكيد {وَكَلَّمَ} بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، وأنه سمع كلام الله تعالى؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بذكر المصادر، لا يقال: أراد الحائط أن يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلامًا في محل فسمع موسى ذلك الكلام؛ لأنه حينئذ لا يكون كلام الله.
قال أحمد بن يحيى: لو جاءت {وَكَلَّمَ اللَّهُ} مجردة لاحتمل ما قلنا وما قالوا، فلمَّا جاءت {تَكْلِيمًا} خرج الشك الذي كان يدخل في
الكلام وبطل الاحتمال للشيئين.
والتكليم في اللغة معناه: المخاطبة، وهو متعد يقتضي مفعولًا، والتكليم لا يقتضيه. ومعنى تكلم: نطق وأوجد الكلام، وقال أهل اللغة: أصل هذه اللفظة التأثير في الشيء ، ألا ترى أنك إذا كلمت غيرك أسمعته كلامك يؤثر فيه ما قلته، ولهذا استعملوا هذه اللفظة في الجراحة قالوا: كلمته أكلمه، إذا جرحته وأثرت فيه.
165 -قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} انتصب رسلًا على البدل من قوله: (ورُّسُلًا) ، وإن شئت قلت: أوحينا إليهم رسلًا، فيكون منصوبًا على الحال والقطع.
وفي قوله: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} دليل على أنهم بُعثوا ببيان الطاعة والمعصية؛ لأنهم إنما يبشرون بالثواب على الطاعة، وينذرون بالعقاب على المعصية، ولا يصح ذلك إلا بعد الكشف عنهما.
وفي قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس حجة في ترك الطاعة والتوحيد والمعرفة، وقد قال في آية أخرى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [طه: 134] ، فبين أنهم كانوا يحتجون بعدم الرسول لو لم يبعث إليهم.