ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله ، وقيل: لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح ، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه.
وقيل: الروح النفخة.
والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً.
قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب:
فقلت له ارفعها إليك فأَحيها...
برُوحك واقتُتْه لها قِيتة قَدْرا
(أي بنفخك) .
وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل.
و (مِن) ابتدائية على التقادير.
فإن قلت: ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى ، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ} [الكهف: 110] فكان أصرح في بيان العبوديّة ، وأنفى للضلال.
قلت: الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل ، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى عليه السّلام ، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل ، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله ، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله.
وتصدير جملة القصر بأنّه {رسول الله} ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله ، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح.
{فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله واحد سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ وما فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وكفى بالله وَكِيلاً} صلى الله عليه وسلم.
الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه.
أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته ، وتنزيهه ، وصدق رسله ، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله.