ولقد علق صاحب الظلال على هذه الآية لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ بقوله: «إن المجتمع شديد الحساسية، وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية. ورب كلمة عابرة لا يحسب قائلها حسابا لما وراءها؛ ورب شائعة عابرة لم يرد قائلها بها إلا فردا من الناس .. ولكن هذه وتلك تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثارا مدمرة؛ وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة.
والجهر بالسوء من القول - في أية صورة من صوره - سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله. وشيوع هذا السوء كثيرا ما يترك آثارا عميقة في ضمير المجتمع .. كثيرا ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع، فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالبا. وكثيرا ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء، ولكنهم يتحرجون منه، أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه، فلا تحرج إذن ولا تقية، وهم ليسوا بأول من يفعل! وكثيرا ما يذهب استقباح السوء بطول الألفة. فالإنسان
يستقبح السوء أول مرة بشدة، حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره، خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه، وسهل على النفوس أن تسمع - بل أن ترى - ولا تثور للتغيير على المنكر. ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم - وقد يكونون منه أبرياء - ولكن قالة السوء تنتشر؛ وحين يصبح الجهر بها هينا مألوفا، فإن البريء قد يتقول عليه مع المسئ ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام، ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح، والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء. إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية - سبا وقذفا - وينتهي انحلالا اجتماعيا، وفوضى أخلاقية، تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادا وجماعات، وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض، وقد شاعت الاتهامات، ولاكتها الألسنة بلا تحرج. لذلك كله كره الله
للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء. وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم، يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم، في حدود ما وقع عليه منه من الظلم!».