وفي اليوم التالي جاءت قوة من الرومان يتقدمهم يهوذا، ودخلوا عليه حيث يوجد في دار مضيفه، فألقى الله شبهه على يهوذا، ورفع عيسى إِليه، فقبضوا على يهوذا ليصلبوه ويقتلوه، فقال لهم: أنا يهوذا. فقالوا: بل أنت عيسى، فإن كنت يهوذا كما تدعى فأين عيسى؟ فقال لهم هذا الشبيه: إِن كنت أنا عيسى - كما قلتم - فأين يهوذا؟ فلم يأبهوا لجداله، وأَخذوه وصلبوه.
هذه هي إحدى الروايات التي ذكرت في الرجل الذي ألقى الله شبه عيسى عليه فقتلوه مكانه (1) ... وهناك روايات أخرى لا نرى داعيا لذكرها.
ونقول: إن القرآن الكريم، أمسك عن ذكر اسم مَن أَلقى الله عليه شبهَ عيسى فقتل مكانه، واكتفى بنفي قتلهم وصلبهم لعيسى وأَنه شُبِّهَ لهم.
وهذا هو القدر الذي يتحتم القطع به. أما مَا سواه، فيحتمل الصدق والكذب. والله تعالى أَعلم.
(وَإنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ) :
لما قتل الرومان واليهود هذا الشبيه الذي جعله اللهُ فداءً لعيسى، اختَلَفَ الناسُ في شأنه.
فمن قائل: إنه هو المسيح وكان كاذبا فقتلناه.
وقال آخرون: إِن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأَين عيسى؟
وقال غيرهم: لا نظن أَنهم قتلوه، فالوجه وجه عيسى والجسد لغيره.
وبالجملة: فإن أمارات القطع - بأَنه هو أَو غيره - لم تكن متوفرة لديهم. فلذلك شَكُّوا، واختلفت أَقوالهم في شأنه.
(1) إنجيل برنابا، ملخصا.
ومن عجيب أن تنص أَناجيل المسيحيين، على أَن المسيح أخبر حوارييه أنهم جميعًا سيشكون فيه ليلة الصلب فكيف ساغ لهم القطع بقتله وصلبه، حتى أَلزموا أنفسهم تأْويلات سخيفةً، ناشئة عن اعتقادهم أُلوهيته وصلبه، إِذْ زعموا أَنه صُلِب ليفتديَ أهلَ الخطايا جميعًا!!.
وهذا زعم لا يقبله عاقل. فإنه إِن كان إلها، أَو ابن الله كما زعموا: يستطيع أَن يغفر لمن شاءَ، وَألَّا يُحَكِّم في جسده أَسلحة أَعدائه، كما أَنه - باستسلامه لهم - تسبب في زيادة خطاياهم بقتله، وهذا عكس المقصود!!
(مَا لَهُم بِهِ مِنْ علم الَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) :