والنصارى؛ كفروا باللهِ تعالى - فجعلوه جِسْمًا، وأبا، وثالث ثلاثة، وكفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بغيره.
وبذلك فرقوا بين الله تعالى، وبين رسوله محمَّد. ونحَّوْهُ عن شرف الرسالة. فقد آمنوا ببعض الرسل، وكفروا بالبعض الآخر، وكانوا - بذلك - كافرين بالرسل جميعًا.
فقد صاروا - بكفرهم ببعض الرسل - كافرين بالرسل جميعًا؛ لأَن دين كل واحد منهم هو دين الله، فالكفر به - مع أحدهم - هو بمثابة الكفر بما جاءَ به سائر الرسل، ولأَن كل رسول أوصى أُمته: أن يؤْمنوا بالرسل الذين يبعثهم الله بعده. فمن كفر بأَحدهم، فقد كذب الرسل الذين سبقوه، وجحد وصيّتهم.
وبعض المفسرين لم يخص الآية باليهود والنصارى، بل جعلها شاملة لأَصناف ثلاثة:
الصنف الأَول: من كفر باللهِ فأَنكر وجوده، وكفر برسله فأَنكر النبوات، لأَن من أَنكر وجود المرسل، أنكر وجود الرسل. وهذا هو المقصود بقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ} :
ويمكن أن يدخل - في هذا الصنف - المشركون بالله.
والصِّنفُ الثاني: مَن آمن بالله وكفر برسله، وهو المعنى بقوله تعالى:
{وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ} :
أَي: والذين يريدون أن يفرقوا بينه وبينهم في الإيمان، فيوجبوا الإيمان به، وينفوا وجوب الإيمان بالرسل، لأنهم ينكرون النبوات.
والصنف الثالث: مَنْ يؤمن بالله، ويؤْمِن ببعض الرسل، ويكفر بالبعض الآخر، كاليهود والنصارى، وهو المقصود بقوله تعالى:
{وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} :
أي: والذين يقولون نؤْمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، مع إيمانهم باللهِ.
والرأْي الراجح هو الأَول.
{وَيُرِيدُونَ أن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} :
أي ويريدون - بما قالوه من الإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر - أن يتخذوا طريقًا وسطا بين الإيمان والكفر، مع أنه لا وسط بينهما، إذ الحق واحدٌ: لا يُنْتَقَصُ منه. وليس بعد الحق إلا الضلال.
151 - {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ... } الآية.
أَي أولَئك الموصوفون بتلك الصفات الشائنة، هم الكافرون المبالغون في الكفر حقا.