ويحتمل أن يكون فيمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض الرسل؛ فيكون الكفر ببعض الرسل كفرًا باللَّه، وبجميع رسله، وبجميع كتبه؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو الخلق كلهم إلى الإيمان باللَّه، والإيمان بجميع الرسل والكتب، وإذا كفر بواحد منهم - كفر بِاللَّهِ وبالرسل جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)
أي: ويتخذون غير ذلك سبيلا؛ على طرح إرادة"أن"، أي: يتخذون بين ذلك، أي: بين إيمان ببعض الرسل، وكفر ببعض الرسل - دينًا؛ فذلك لا ينفعهم إذا كفروا ببعض الرسل.
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) .
يحتمل وجهين:
يحتمل: أُولَئِكَ هو الكافرون الذين حق عليهم الكفر باللَّه.
والثاني: يكفرون ببعض الرسل؛ أنهم - وإن كفروا ببعض الرسل - فقد حق عليهم الكفر بالله تعالى؛ لأن الكفر بواحد من الرسل كفر باللَّه وبالرسل جميعًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) . قوله: (مُهِينًا) : يهانون فيه.
ثم نعت المؤمنين فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ...(152)
يعني: من الرسل، وقالوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ)
إلى آخر ما ذكر.
وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنًا، وهو قد آمن باللَّه ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله - تعالى -: (أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم.
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) .
أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لم يزل غفورًا رحيمًا، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ولكن صار غفورا رحيمًا، وباللَّه العصمة.