يحتمل: أن يكون على الترغيب: رغبهم - عَزَّ وَجَلَّ - بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضًا، وإن أنتم قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب.
ويحتمل: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو - عَزَّ وَجَلَّ - عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) - واللَّه أعلم - فإن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّه أجدر وأحرى أن يعفو عنك إذا عفوت عن أخيك في الدنيا، وهو على ذلك أقدر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) يحتمل وجهين:
يحتمل قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ...) أي: يريدون، أن يفرقوا بين اللَّه ورسله؛ فيكون قوله: (يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) : في الدهرية؛ لأنهم
يكفرون باللَّه، ولا يؤمنون به، ويقولون بقدم العالم، فذلك فيهم، وقوله: (وَرُسُلِهِ) يكون في الذين يؤمنون بِاللَّهِ ويكفرون بالرسل كلهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) :
في الذين كفروا ببعض الرسل وآمنوا ببعض الرسل، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض.
ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عنهم جميعًا - مع اختلاف مذاهبهم - أنهم كفار، وحقق الكفر فيهم بقوله - تعالى -: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ...(151)