قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى:"بل رفعه الله إليه يقيناً"فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل ، ... وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل.
وقال بعض أصحاب حمزة": عيسى ابن مريم تمام . لأنهم لم يقروا بأنه رسول"
فليس بمتصل بما قبله.
وقال نافع: {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} تمام.
وأجاز ابن الأنباري الوقف على"قتلوه"على أن ينصب"يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم ، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً ، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً ، ثم تبتدئ {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} مستأنفاً."
قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه.
والاستعارة في كلام العرب باب ، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها ، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك"النبات نوء"لأنه [عنه] يكون ، والمطر سماء ، لأنه منها ينزل ، ويقولون"ضحكت الأرض"لأنها تبدي عن حسن النبات.
وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر . ويقولون"لقيت من فلان عرق القربة"أي: شدة ، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه ، فاستعير عرقه في موضع.
ومن ذلك قول الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42] أي: شدة الأمر ، وذلك أن
الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة ، شمر عن ساقه ، فاستعير الساق في موضع الشدة ، وهو كثير في القرآن ، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه.
ومنه قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء: 49] {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه ، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه ، زبالاً ، فالزبال ما تحمله النملة بفيها.