وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِكَوْنِهِ أَطْعَمَ مِنْ أَرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلَافًا مِنَ النَّاسِ، فَهَذَا مُوسَى قَدْ أَطْعَمَ أُمَّتَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى! وَهَذَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَطْعَمَ الْعَسْكَرَ كُلَّهُ مِنْ زَادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتَّى شَبِعُوا وَمَلَئُوا أَوْعِيَتَهُمْ، وَسَقَاهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ لَا يَغْمُرُ الْيَدَ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ سِقَاءٍ فِي الْعَسْكَرِ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: جَعَلْنَاهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ صَاحَ بِالْبَحْرِ فَسَكَنَتْ أَمْوَاجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وَقَامَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَالْحِيطَانِ، وَفَجَّرَ مِنَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سَارِحَةً.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ أَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَى الْمَوْتَى فَآيَاتُ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ جَعَلْتُمُوهُ إِلَهًا لِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ عَنْهُ، أَوْ يَكُونَ إِنَّمَا ادَّعَى الْعُبُودِيَّةَ وَالِافْتِقَارَ وَأَنَّهُ مَرْبُوبٌ وَمَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإِنْ كَمَا كَانَ كَمَا ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذَا أَخُو الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا صَادِقٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} .