{وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ} أي في شأن عيسى عليه السلام فإنه لما وقعت تلك الواقعةُ اختلف الناسُ فقال بعضُ اليهودِ: إنه كان كاذباً فقتلناه حتماً، وتردد آخرون فقال بعضُهم: إن كان عيسى فأين صاحبُنا، وقال بعضُهم: الوجهُ وجهُ عيسى والبدنُ بدنُ صاحبِنا، وقال مَنْ سمِع منه عليه السلام إن الله يرفعني إلى السماء: إن رُفع إلى السماء، وقال قوم: صُلب الناسوتُ وصعِدَ اللاهوت (وقد مر) {لَفِى شَكّ مّنْهُ} لفي تردد، والشكُ كما يطلق على ما لم يترجح أحدُ طرفيه يُطلق على مطلق الترددِ وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن} استثناءٌ منقطعٌ أي لكنهم يتبعون الظن، ويجوز أن يفسَّر الشكُ بالجهل والعلمُ بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفسُ جزماً كان أو غيرَه فالاستثناءُ حينئذ متصلٌ {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} أي قتلاً يقيناً كما زعموا بقولهم: إنا قتلنا المسيحَ، وقيل: معناه وما علموه يقيناً كما في قول من قال:
كذاك تُخبِرُ عنها العالماتُ بها ... وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يقَناً
من قولهم: قتلتُ الشيء َ علماً ونحَرتُه علماً إذا تَبالغَ علمُك فيه، وفيه تهكمٌ بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة وقد نُفيَ ذلك عنهم بالكلية.
{بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} ردٌّ وإنكارٌ لزعمهم قتلَه وإثباتٌ لرفعه {وَكَانَ الله عَزِيزاً} لا يغالَب فيما يريده {حَكِيماً} في جميع أفعالِه فيدخُل فيها تدبيراتُه تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولاً أولياً. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 2 صـ}