وبعد ذلك يقول لنا سبحانه: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} . وكلمة"وما صلبوه"هنا هي لتوضيح أن مجرد ظنهم أنهم قتلوا المسيح جعلهم يشيعون ذلك ويعلنونه للناس ، وهم قد فعلوا ذلك قبل أن يتوجهوا إلى فكرة الصلب ، فقد قتلوا شخصاً شبهه الله لهم ولم يكن هو المسيح وصلبوه من بعد ذلك ، وبمجرد قتل هذا الشخص طاروا بخبر القتل قبل أن تبدأ فكرة الصلب . ويقطع الله عليهم هذا الأمر ، فيقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ} .
وقد لفتنا سبحانه من قبل إلى أن عملية ميلاد المسيح تم استقبالها من بني إسرائيل بضجة ، فعلى رغم علمهم خبر مجيء المسيح بالميلاد من غير أب ، وعلى رغم أنهم علموا بناتهم الاستشراف أن يكون لأية واحدة منهن شرف حمل المسيح ، وعلى رغم ذلك قالوا البهتان في مريم التي اصطفاها الله .
وكذلك كان لمسألة الوفاة ضجة .
واقتران الضجتين: ضجة الميلاد وضجة الوفاة معاً في رسالة السيد المسيح يدلنا على أن العقل يجب أن تكون له وحدة تفسيرية ، فساعة يتكلم العقل عن قضية الميلاد بالنسبة لعيسى ابن مريم لا بد أن يستشعر الإنسان أن الأمر قد جاء على غير سنة موجودة ، وساعة يبلغنا الحق أن بني إسرائيل بيتوا النية لقتل عيسى ابن مريم ، وأن الله رفعه إليه تكون المسألة قد جاءت أيضا بقضية مخالفة ، ولا بد أن نصدق ما بلغنا الله به ، وأن يتذكر العقل أن الميلاد كان مخالفاً ، فلماذا لا تكون النهاية مخالفة أيضاً؟