هم - إذن - لا يثقون بما في يد الله ، ويريدون الأمر المادي ، ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى لفتة قسرية ، ويأتي بأمر يناقض قانون المادة من أساسه ؛ وهو ميلاد عيسى عليه السلام بأسلوب غير تقليدي ، والإنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم ، ويأتي الحق بعيسى مخلوقاً من أم دون أب ، فانتقضت المادية ، وهم كماديين غفلوا عن الخلق الأول: {أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]
إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلام؟ . لقد نقض أمامهم الأساس التقليدي المادي لمجيء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى ، وجاء عيسى عليه السلام من أم دون أب . ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر ، فإن أراد البشر مُسَبَّباً فعليهم أن يأخذوا الأسباب ، أما سبحانه وتعالى فهو مسبِّبُ الأسباب وخالقها وهو القادر - وحده - على إيجاد الشيء بتنحية كل الأسباب .
ونعلم أن قضية الخلق دارت على أربعة أنحاء ، إما أن ينشأ الشيء من وجود الشيئين ، هذه هي الصورة الأولى . وإما أن ينشأ الشيء من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية . وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الأول وعدم وجود الشيء الثاني ، وهذه هي الصورة الثالثة ، وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الأول ، وهذه هي الصورة الرابعة .
تلك هي الصور الأربع لوجود شيء ما . ولم يشأ الله أن يجعل الخلق - وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون - على نحو واحد ؛ حتى لا يقولن أحد: إن السببية مشروطة للوجود .
بل المسبَّب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم ، وخلقنا جميعاً نحن من أب وأم ، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب ، وخلق حواء من أب دون أم .