وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً} وهنا نجد أنه سبحانه قد ساوى بين قولهم البهتان على مريم وبين كل الأفعال السابقة ؛ لأنهم اعترضوا على رسالة ونبوة عيسى عليه السلام وهو نبي من أولي العزم من الرسل بأشياء قد تكون ضمن الأسباب التي فتنت بعض الناس فيه ، لقد خلقه الله خلقاً خاصاً . فسبحانه خلق الناس جميعاً من آدم عليه السلام الذي صوره الله من طين ثم نفخ فيه الروح ، وجاء الخلق من التزاوج .
أما عيسى عليه السلام فقد خلقه الله بطريقة خاصة ، فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم عليها السلام وهي البتول؟ .
ومن الجائز أن تُتهم المرأة وترمى وتوصف بكل شيء: كاذبة ، سارقة ، أو دميمة ، لكن الاتهام في العرض: لا . والحق هنا يحدد موضوعين للكفر: قولهم البهتان على مريم وهو كفر بالله ، وكفرهم بعيسى الذي جاء بميلاد على غير طريقة الميلاد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع لليهود الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا: (أرنا الله جهرة) .
بل إن الحق رزقهم برزق غيبي لا يعرفون أسبابه: في التيه رزقهم بالمن والسلوى ، والمن في لون القشدة وطعم العسل الأبيض وهو شيء يقع على أوراق الشجر في بعض البيئات ، والسلوى طائر يشبه السُّماني ، وكانوا يأخذون المن من الأشجار ويجعلونه رزقاً يأتيهم ولا يزرعونه ولا يتعبون فيه . لكنهم قالوا: لا ، نحن نريد أن نزرع نباتاً ينمو من الأرض ولا ننتظر الغيب ، لأن الغيب قد يضن علينا . {فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا} [البقرة: 61]