وَقَالَ آخَرُونَ:"الدَّرَجَاتُ: هِيَ السَّبْعُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ} فَقْرَأَ حَتَّى بَلَغَ: {أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قَالَ:"هَذِهِ السَّبْعُ الدَّرَجَاتُ.
قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ , فَكَانَتْ دَرَجَةُ الْجِهَادِ مُجْمَلَةً , فَكَانَ الَّذِي جَاهَدَ بِمَالِهِ لَهُ اسْمٌ فِي هَذِهِ , فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ بِالتَّفْضِيلِ أُخْرِجَ مِنْهَا , فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا إِلَّا النَّفَقَةُ. فَقَرَأَ: {لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ} وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لِصَاحِبِ النَّفَقَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: {وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً} قَالَ:"وَهَذِهِ نَفَقَةُ الْقَاعِدِ."
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ.
عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ , قَالَ:"الدَّرَجَاتُ: سَبْعُونَ دَرَجَةً , مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً"
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ , كَمَا قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} تَرْجَمَةٌ وَبَيَانٌ عَنْ قَوْلِهِ: {أَجْرًا عَظِيمًا} وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَجْرَ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَتِ الدَّرَجَاتُ وَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ تَرْجَمَةً عَنْهُ , كَانَ مَعْلُومًا أَنْ لَا وَجْهَ لِقَوْلٍ مِنْ وَجْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} إِلَى الْأَعْمَالِ وَزِيَادَتِهَا عَلَى أَعْمَالِ الْقَاعِدِينَ عَنِ الْجِهَادِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ الصَّحِيحُ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا , فَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ. أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا , وَهُوَ دَرَجَاتٌ أَعْطَاهُمُوهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ , رَفَعَهُمْ بِهَا عَلَى الْقَاعِدِينَ بِمَا أَبْلَوْا فِي ذَاتِ اللَّهِ.
{وَمَغْفِرَةً}