والاستفهام لإنكار خلافهم في شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم.
والمعنى: لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذي سوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عند ما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذي رضيه الله - تعالى.
والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف في شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإيمان.
ومنغمسون في الضلال والبطلان.
وقوله وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا حال من المنافقين مفيد لتأكيد الإنكار السابق أي: لم تختلفون - أيها المؤمنون - في شأن المنافقين هذا الاختلاف والحال أن الله - تعالى - قد ردهم إلى الكفر بعد الإيمان بسبب أقوالهم الأثيمة، وأعمالهم القبيحة.
وقوله أَرْكَسَهُمْ من الركس وهو رد أول الشيء على آخره. يقال: ركس الشيء يركسه ركسا إذا قلبه على رأسه. والركس والنكس بمعنى واحد.
والاستفهام في قوله أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ للإنكار على من أحسن الظن بأولئك المنافقين.
أي: أتريدون أيها المؤمنون الذين أحسنتم الظن بهؤلاء المنافقين أن تعدوهم من جملة المهتدين، مع أن الله - تعالى - قد خلق فيهم الضلال، لأنهم قد استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغي على الرشد.
وقوله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي: ومن يكتب الله عليه الضلالة، فلن تجد أحدا يهديه ويرشده، لأن قضاء الله لا يتبدل، وقدره لا يتخلف.
وقوله - تعالى - وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم.