والمعنى: ومن تقضي سننه تعالى في خلقه أن يكون ضالًا عن طريق الحق .. فلن تجد له سبيلًا يصل بسلوكها إليه، فإن للحق سبيلًا واحدة هي صراط الفطرة المستقيم، وللباطل سبلًا كثيرة، عن يمين سبيل الحق وعن شمالها، كل من سلك منها سبيلًا بَعُدَ عن سبيل الحق بقدر إيغاله في السبيل التي سلكها، كما قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} وقد أوضح النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الآية بالخطوط الحسية، فخط في الأرض خطًّا فجعله مثالًا لسبيل الله تعالى، وخط على جانبيه خطوطًا لسبل الشيطان، وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقي مع الخط الأول.
وسبيل الفطرة تقتضي أن يعرض الإنسان جميع أعماله على ميزان الشرع وسنن العقل، ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلًا وآجلًا، وفيه كماله الإنساني، وأكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور بالطواغيت، وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه، وبهذا يقطع على نفسه طريق الحق، والنظر في النفع والضر والحق والباطل، وشبهته في ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره، ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يجول في صدور أولئك المنافقين من أماني فقال:
89 - {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا} ؛ أي: تمنى هؤلاء المنافقون كفركم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن كفرًا مثل كفرهم بهما، {فَتَكُونُونَ} أنتم وهم {سَوَاءً} ؛ أي: مستوين في الكفر؛ أي: إن هؤلاء لا يقنعون بما هم عليه من الضلال والغواية، بل يطمعون أن تكونوا أمثالهم، وتحذوا حذوهم، حتى يقضى على الإِسلام الذي أنتم عليه، وهذا منتهى ما يكون من الغلو والتمادي في الكفر، حيث لا يكتفون بضلالهم بل يرجون إضلال غيرهم.