وَشَدَّةَ حِرْصِهِمْ عَلَى ارْتِدَادِ الْمُسْلِمِينَ كَفَّارًا مَثْلَهُمْ ، وَأَذِنَ بِقَتْلِهِمْ أَيْنَمَا وُجِدُوا ; لِأَنَّهُمْ يَغْدُرُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فَيُوهِمُونَهُمْ أَنَّهُمْ مَعَهُمْ ، وَيَقْتُلُونَهُمْ إِذَا ظَفِرُوا بِهِمْ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُمْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَصِلُوا وَيَنْتَهُوا إِلَى قَوْمٍ مُعَاهِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُوا فِي عَهْدِهِمْ وَيَرْضَوْا بِحُكْمِهِمْ ، فَيُمْتَنَعُ قِتَالُهُمْ مِثْلُهُمْ ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَجِيئُوا الْمُسْلِمِينَ مُسَالِمِينَ لَا يُقَاتِلُونَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ مَعَهُمْ ، بَلْ يَكُونُونَ عَلَى الْحِيَادِ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ، أَيْ: جَاءُوكُمْ قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَعَنْ قِتَالِ قَوْمِهِمْ فَلَا تَنْشَرِحُ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا يَظْهَرُ هَذَا ظُهُورًا بَيِّنًا لَا تَكَلُّفَ فِيهِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ: إِنَّ نِفَاقَهُمْ كَانَ بِالْوَلَاءِ ، فَهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ حِفْظًا لِلْعَهْدِ ، وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ لِأَنَّهُمْ قَوْمُهُمْ ، وَقَبُولُ عُذْرِ الْفَرِيقَيْنِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ
الْبَقَرَةِ: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا (2: 190) ، فَيَا لِلَّهِ مَا أَعْدَلَ الْقُرْآنَ وَمَا أَكْرَمَ أُصُولَ الْإِسْلَامِ .