فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 519

وقد ردّ أبو السعود هذا الوجه محتجا عليه بأسباب ثلاثة:

-السبب الأول: أن حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع حتى قالوا: إن الصفات قبل العلم بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها صفات، فحيث كان ثبوت الوجيف للقلوب وثبوت الخشوع لأبصار أصحابها سواءً في المعرفة والجهالة كان جعل الأول عنوانا للموضوع مسلم الثبوت مفروغًا عنه وجعل الثاني مخبرا به مقصود الإفادة تحكما بحتا [1] .

-السبب الثاني: أن الوجيف الذي هو عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف والوجل أشد من خشوع البصر وأهول، فجعل أهون الشرين عمدة وأشدهما فضلة مما لا عهد له في الكلام [2] .

-السبب الأخير: أن تخصيص الخشوع بقلوب موصوفة بصفة معينة غير مشعرة بالعموم والشمول - تهوين للخطب في موقع التهويل [3] .

فالوجه المختار عند أبي السعود أن تكون (قلوب) مبتدأ، و (واجفة) خبره على أن يكون تنكير (قلوب) قائما مقام الوصف المختص سواء حمل على التنويع- وإن لم يذكر النوع المقابل فإن المعنى منسحب عليه - أو على التكثير كما هو في: (شرٌّ أهرَّ ذا ناب) ؛ فإن التفخيم كما يكون بالكيفية يكون بالكمية أيضًا كأنه قيل: قلوب كثيرة يوم إذ يقع النفختان واجفة أي: شديدة الاضطراب زائلة عن أماكنها [4] .

ويبدو لي أن اختيار أبي السعود أوفى بمقام الخطب الهائل؛ حيث إن تتابع الجمل، وتكرر الإسناد فيها، وتوارد المعاني تبعا لكل جملة أوفى بحق المقام حيث بيان أحوال هؤلاء الهالكين ممن أنكر البعث يوم وقع وهالهم مطلعه، والأبلغ - والله أعلى وأعلم - أن توصف أحوالهم من وجيف القلوب وخشوع الأبصار، وتحكى أقوالهم التي قالوها من إنكار البعث إلى غير ذلك مما يبشّع مسلكهم ليزدجر غيرهم حذرا من عاقبة تلك مباديها.

(1) السابق 6/ 468، 469.

(2) السابق 6/ 469.

(3) انظر: تفسير أبي السعود 6/ 469.

(4) السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت