موطن الاستشهاد-: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 7 - 10] .
ذكر أبو السعود أن أظهر وأشهر ما في إعراب قوله (وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) وقوله (وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة) أن (أصحاب الميمنة) مبتدأ، وقوله (ما أصحاب الميمنة) خبره على أن (ما) الاستفهامية مبتدأ ثان خبره ما بعده، والجملة خبر الأول، والأصل: (ماهم) أي: أيُّ شيء هم في حالهم وصفتهم؛ فإن (ما) وإنْ شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة، لكنها قد يطلب بها الصفة والحال، وتقول: ما زيد؟ فيقال: عالم أو طبيب، فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في التفخيم، وكذا الكلام في قوله (وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة) [1] .
وقد كان لأبي السعود في التركيب والمعنى رأي آخر هو الذي تقتضيه جزالة التنزيل - على حد قوله - تحقيقا للمقصود إفادته من الكلام الجليل.
فقوله تعالى (فأصحاب الميمنة) ليس مبتدأ - كما على الوجه الأشهر - وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف، وكذا قوله (وأصحاب المشأمة) ، وقوله (والسابقون) ؛ ذلك لأن المترقب عند بيان انقسام الناس إلى الأقسام الثلاثة في قوله (وكنتم أزواجا ثلاثة) بيان أنفُس الأقسام الثلاثة، وأما أوصافها وأحوالها فحقها أن تبين بعد ذلك [2] .
وعليه فإن التقدير: فأحدها أصحاب الميمنة، والآخر أصحاب المشأمة، والثالث السابقون.
وأما جملة (ما أصحاب الميمنة) ونظيرتها (ما أصحاب المشأمة) فليستا خبرين - كما على الوجه الأشهر - وإنما كل منهما اعتراض؛ فإنه لما أُخِّر بيان أحوال القسمين: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة عقب كل منهما بجملة معترضة بين القسمين منبئة عن ترامي أحوالهما في الخير والشر إنباءً إجماليا مشعرا بأن لأحوال كل منهما تفصيلا مترقَّبا [3] .
وخالف أبو السعود أيضا بين ركني الجملة فلم يجعل (ما) مبتدأ وما بعدها خبرها وإنما جعل (ما) الاستفهامية خبرا أُخِّر عنه مبتدؤه؛"فإن مناط الإفادة بيان أن أصحاب الميمنة أمر بديع كما يفيده كون (ما) "
(1) تفسير أبي السعود 6/ 261.
(2) انظر: السابق 6/ 262.
(3) السابق 6/ 262.