فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 519

قال - رحمه الله - في معنى (مِن) الأولي والثانية:" (مِن) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لتبيين الموصول، أي: ابتدأ الفيض ونشأ من معرفة الحق وحصل من أجله وبسببه، ويحتمل أن تكون الثانية تبعيضية، لأن ما عرفوه بعض الحق، وحيث أبكاهم ذلك فكيف بهم لو عرفوا كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة" [1] .

ومنه أيضًا ما جاء في قوله - تبارك اسمه-: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41] .

ذكر أبو السعود أن (بسم الله) متعلق ب (اركبوا) حال من فاعله والتقدير: اركبوا مسمِّين الله تعالى أو قائلين: بسم الله. ثم قال: ويجوز أن يكون (بسم الله مجراها ومرساها) جملة مستقلة من مبتدأ وخبر في موضع الحال من ضمير (الفلك) أي: اركبوا فيها مجراةً ومرساةً بسم الله- تعالى - فيكونان كلامين له عليه الصلاة والسلام [2] .

ومثله ما جاء في قوله - تعالى-: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر: 10، 11] .

قال أبو السعود في توجيه الجملة بعد (إلا) :"والجملة في محل النصب على أنها حال مقدرة من ضمير المفعول في (يأتيهم) إذا كان المراد بالإتيان حدوثه [3] ، أو أنها في محل الرفع على أنها صفة (رسول) فإن محله الرفع على الفاعلية أي: إلا رسولٌ كانوا به يستهزؤون، أو الجر على أنها صفة باعتبار لفظه" [4] .

ثم ختم تلك التوجيهات بتجويز نصب الجملة على الوصفية بتقدير موصوف منصوب على الاستثناء وإن كان المختار الرفع على البدلية [5] .

وأيضًا ما جاء في قوله - تعالى-: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30، 31] .

(1) تفسير أبي السعود 2/ 530.

(2) انظر: تفسير أبي السعود 4/ 41.

(3) الحال المقدرة من أنواع الحال وهي المستقبلة كما في (ادخلوها خالدين) أي: مقدرين الخلود بعد دخولكم. انظر: الكواكب الدرية شرح المتممة الأجرومية للشيخ محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل، مطبعة مصطفي البابي الحلبي، ط/2، 1356 ه-1937 م، 2/ 32.

(4) تفسير أبي السعود 4/ 283.

(5) انظر: السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت